أحمد بن محمد المقري التلمساني
20
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فقد أوجب الإنصاف أن يمحو اقترافي باعترافي ، ويغطي أوصافي بإنصافي ، والرحماء يرحمهم الرحمن ، وقد عذر القنبرة سليمان « 1 » ، ومع الاستسلام الأمان ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله . ولا بأس أن نعرّض « 2 » بتلك الأحونة « 3 » الخصيبة المثوى والمروج ، والجمل والفرّوج ، وفي السماء البروج ، وفي الأرض الفروج ، والأعرج يستندر منه العروج ، ونمدّ الأيدي المستعملة في التقصير ، إلى الولي النصير والناقد البصير . اللهمّ استر بسترك فضائحنا المخلّفة ، وقبائحنا المجمعة المؤلّفة ، فهو كلّه تحويم حول حماك ، ودندنة يا كريم بباب رحماك ، وزند أنت قدحته ، وتألّق بارق أنت ألحته ، فصل السبب يا واصل الأسباب ، واجعلنا ممّن تذكّر فنفعته الذكرى وما يتذكّر إلّا أولو الألباب ، اللهمّ أطلع « 4 » نفوسنا الحائرة على عين الخبر ، واجذبها إلى المؤثر بزمام الأثر ، اللهمّ أجبر الضالة المثقلة الظهر ، وارفع عنها ملكة القهر ، وحيطة الدهر ، والسفر من بلد السرّ إلى بلد الجهر ، اللهمّ أعلق بعروة الحقّ أيدينا الخابطة ، وأظفر بعدوّ الهوى عزائمنا المرابطة ، اللهمّ أوصل سببنا بسببك ، واحملنا إليك بك ، لا إله إلّا أنت ، وصلّ على عبدك ونبيّك محمد خاتم النبيّين والمرسلين وآله والصحابة أجمعين » ؛ انتهى . [ خاتمة خطبة كتاب المحبة ] وقال - رحمه اللّه تعالى ! - آخر بعض تراجم هذا الكتاب ما صورته : خاتمة تشتمل على إشارات ، وتختال من الحقّ في شارات ، قال بعض من يطأ بمطيّة السلوك ، حمى الملوك ، وينقض زوايا الغيوب ، عن المطلوب ، ببصر بصائر القلوب : شهدت أصناف المحبين والعشّاق ، على اختلاف البلاد وتباين الآفاق ، لا أدري أفال كشفا وشهودا ، أو فرضا ووجودا ، أو يقظة أو هجودا ، وقد ركضوا مطايا الأشواق ، وضربوا آباطها بعصيّ المشارب والأذواق ، وتزوّدوا أزواد الحقائق ، وودعوا أحباب العوائد والعلائق ، وتساهلوا في المحبوب اعتراض العوائق ، وتفاضلوا في اختيار الجوادّ « 5 » واقتحام المضايق ، والطرق إلى اللّه تعالى عدد أنفاس الخلائق ، فمن خابط عشواء « 6 » ، ومسقط أهواء ، يقول : [ السريع ] يا ليت أني أوقد النارا * فإنّ من يهواك قد حارا
--> ( 1 ) يشير إلى قصة سيدنا سليمان مع الهدهد في قوله تعالى : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ [ النمل : 20 ] . ( 2 ) في ب « أن يعرض » . ( 3 ) في ب « الأخونة » . ( 4 ) في ب « اللهم دلّ نفوسنا » . ( 5 ) الجواد : جمع جادة ، وهي الأرض التي يسهل السير فيها . ( 6 ) العشواء : الناقة التي لا تبصر ليلا وقد أخذه من صدر بييت لزهير بن أبي سلمى : ( رأيت المنايا خبط عشواء من تصب )